سيد محمد طنطاوي
9
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فالآلوسى - مثلا - يجعل من وجوه مناسبة الأنفال للأعراف أن الأعراف فيها وأْمُرْ بِالْعُرْفِ . وأن الأنفال فيها كثير من أفراد المأمور به . . وهذا المعنى نراه في كثير من السور المتتالية ، فسورة آل عمران - مثلا - من بين آياتها قوله - تعالى - : ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ . . « 1 » . وسورة النساء - التي بعدها - فيها - أيضا - كثير من أفراد المأمور به لأن الأمر بالمعروف من الدعائم التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي . والذي تميل إليه النفس أن ترتيب السور توقيفي ، وأن كل سورة لها موضوعاتها التي نراها بارزة بصورة تميزها عن غيرها . 7 - وسورة الأنفال عندما نتأمل ما اشتملت عليه من آيات ، نراها تحدثنا - في مجموعها - عن غزوة بدر ، فتعرض أحداثها الظاهرة ، كما تعرض بشارات النصر فيها ، وتكشف عن قدرة اللَّه وتدبيره في وقائع هذه الغزوة الحاسمة ، وتبين كثيرا من الإرشادات والتشريعات الحربية التي يجب على المؤمنين اتباعها حتى ينالوا النجاح والفلاح . أخرج البخاري عن ابن عباس أن سورة الأنفال نزلت في بدر « 2 » : ( أ ) لقد افتتحت السورة الكريمة ببيان أن قسمة الأنفال أي - الغنائم - مردها إلى اللَّه ورسوله ، وأن على المؤمنين أن يذعنوا لما يفعله فيها رسولهم صلى اللَّه عليه وسلم ثم وصفت المؤمنين الصادقين أكمل وصف ، وبشرتهم بأسمى المنازل ، وأرفع الدرجات . قال - تعالى - : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ لِلَّه والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّه وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وأَطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه زادَتْهُمْ إِيماناً وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ . ( ب ) وبعد هذا الحديث الطيب عن أوصاف المؤمنين الصادقين ، تبدأ السورة في الحديث عن حال بعض الذين اشتركوا في غزوة بدر ، وكيف أنهم كرهوا القتال في أول الأمر ، لأنهم لم يخرجوا من أجله وإنما خرجوا من أجل الحصول على التجارة التي قدم بها مشركو قريش من بلاد الشام لكن اللَّه - تعالى - أراد أن يعلمهم وغيرهم أن الخير فيما قدره ، لا فيما يقدرون ويريدون .
--> ( 1 ) الآية 104 . ( 2 ) صحيح البخاري . كتاب التفسير ج 6 ص 77 طبعة مصطفي الحلبي سنة 1345 ه .